يمر القارئ على مشهد سجن يوسف عليه السلام سريعًا وهو ينتظر لحظة الخروج والتمكين، لكن في هذا المشهد نفسه من المعاني والهدايات ما يستحق الوقوف عنده طويلاً. فبين جدران السجن تتكشف جوانب من شخصية يوسف عليه السلام، وتظهر سنن إلهية تتكرر في حياة المؤمنين على مر العصور.
قصة يوسف عليه السلام من أحسن القصص، وفيها عبرة لأولي الألباب، وقد جاءت قصته في عدة مشاهد: مع أبيه حين قصّ عليه رؤياه، ومع إخوته حين كادوا له حتى ألقوه في الجب، ومع امرأة العزيز والنسوة حتى سجنوه، وفي السجن حتى أخرجه الله منه، ثم في ولايته لخزائن الأرض وتردّد إخوانه عليه، وختامها في ضم أبويه إليه ولـمّ شمله معهما ومع إخوته.
ولقد وقف المفسرون والمتدبرون وقفات جليلة نافعة لطيفة مع مجريات القصة، وهدايات القرآن تتجدد بنظر الناظرين وتدبر المتدبرين.
وفي هذا المقال رسائل استهداءٍ من حال يوسف عليه السلام في سجنه، أسأل الله أن ينفعني والقارئ بها.

الرسالة الأولى: إنّا نراك من المحسنين
يلفت نظرَ التالي لسورة يوسف تكررُ ذكر الإحسان فيها، ففضلاً عن ذكر فعل الإحسان في عدة مواضع من السورة، جاءت الإشارة إلى يوسف خاصة أنّه من “المحسنين” في خمسة مواطن: موطنان منها شهادةٌ من الله له وثناءٌ منه عليه {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: ٢٢]، {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: ٥٦]، وثالثٌ في شكر يوسف لربه وتمجيده له {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: ٩٠]، ورابعٌ من كلام إخوته له: {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: ٧٨].
أما ثناء الله على يوسف، وثناء يوسف على ربه، فسببه ظاهر، وكذلك ثناء إخوته عليه بإحسانه، فإنه قد أحسن إليهم بأنْ أمارهم مرتين، وفي الأولى منهما رد عليهم بضاعتهم، كما أنهم شهدوا صنيعه هذا للقادمين الآخرين ممن أصابهم الجدب، وجاؤوا يطلبون الميرة.
الموطن الخامس الذي وُصف فيه يوسف بأنه من المحسنين هو الملفت حقًا، وهو قول صاحبي السجن له: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: ٣٦]، مع أن ظاهر القصة أن لقاءهما به ومعرفتهما بحاله كان حديثًا؛ فهم قد دخلوا السجن معه سويًا، وكان الحوار بينهما قريبًا {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا} [يوسف: ٣٦] فلا ندري ماذا رأى الرجلان من يوسف في هذه الفترة القصيرة ليحكما عليه -كلاهما- أنه من المحسنين؟!
إن صاحب الإحسان لا يخفى، وإحسانه يدل عليه؛ لأنه لا يأتي منه تكلفًا، بل طبعًا وسجية، فتجد إحسانه في كلمة أو فعل أو موقف فتنجذب إليه النفوس وترتاح له.
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ** فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ
إن من أهم السجايا التي ينبغي للداعية أن يربي نفسه عليها: الإحسان إلى الناس، وأن يعاملهم بالفضل فوق العدل، وأن يبذل لهم من جهده وماله ووقته، وأن يعتاد العطاء لا الأخذ، وأن يحتمل منهم طباعهم التي لا توافقه، تأسيًا بقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ}.
وإذا كنا لا نعرف ما هو إحسان يوسف للسجينين (حتى قبل أن يعبّر لهما)، لكننا رأينا إحسانه في السجن في موطن آخر، حين جاءه الذي نجا منهما قائلاً له: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا…} [يوسف: ٤٦].
ويظهر إحسان يوسف في رده عليه في ثلاثة أمور:
» الأول: أنه لم يعاتب هذا الناجي على نسيانه شأن يوسف، وكان قد أوصاه أن يذكره عند ربه، فلم يقل له مثلاً: وأين وصايتنا لك؟! وما أتيتني إلا حين كانت لكم مصلحة؟! وليتك حين ذكّرتْك الرؤيا بي شفعت لي عند الملك، لكنك ما زدت على أن جئت تطلب تأويل الرؤيا! لم يقل يوسف شيئًا من هذا، بل أعرض عن هذا كله وشرع يجيبه إلى سؤاله وكأن شيئًا لم يكن، أرأيتم إحسانًا كهذا؟
» الثاني: أنه بادر إلى تأويل الرؤيا لقوم ظلموه وأودعوه السجن بغير وجه حق، فلم يمنعه هذا من أن يريد الخير لهم، وترفع عن حقه الشخصي لأجل غوث الناس، بل وترفع عن أن يفسر لهم الرؤيا على شرط الإفراج عنه، بل ربما لم يخطر هذا بباله أصلاً! وهذا هو الأقرب لنفسية المحسن.
» الثالث: يوسف في الحقيقة لم يكتف بتأويل الرؤيا (كما فعل مع السجينين)، لكنه هنا زاد على ذلك أن قدّم لهم خطة كاملة للتعامل مع سنوات الخصب وسنوات الجدب لما رأى حاجتهم إليها، فبذل لهم علمه بالرؤى، وحكمته في إدارة الأمور وتصريفها.
فأين تجدون مثل هذا الإحسان، إلا عند الأنبياء!
فما أجدر الدعاة بأن يروضوا أنفسهم على الإحسان إلى الناس، وقضاء حاجاتهم، خصوصًا في أوقات الضيق، وألا ينتظروا من وراء ذلك جزاء ولا شكورًا، وهذا كفيل بأن يفتح الله قلوب الناس لهم ولدعوتهم.
صاحب الإحسان لا يخفى، وإحسانه يدل عليه؛ لأنّه لا يأتي منه تكلّفًا، بل طبعًا وسجية، فتجد إحسانه في كلمة أو فعل أو موقف؛ فتنجذب إليه النفوس وترتاح له
الرسالة الثانية: اقتناص الفرص للدعوة
لما أنِس السجينان بيوسف، سألاه أن يعبر لهما الرؤيا التي رآها كل منهما، فوعدهما بذلك {لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} [يوسف: ٣٧]، ثم أراد أن يستثمر الظرف في الدعوة إلى التوحيد، فكيف فعل ذلك؟ قال لهما: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} أي أن هذا الذي أخبركم به ليس من عندي، ولكنه علم علمني إياه ربي؛ فأثار فيهم الرغبة في التعرف على ربه. بل جاء في تفسير القرطبي: “وبين أن الله خصّه بهذا العلم لأنه ترك ملة قوم لا يؤمنون بالله”[١]، فجعل من ذلك مدخلاً ليحدثهم عن ربه وصفاته، ويدعوهم إلى التوحيد ويصحح اعتقادهم في عبادة أرباب من دونه ما أنزل الله بها من سلطان.
لو نظرنا إلى كثير من الدعاة وطلبة العلم اليوم، لوجدنا أن عطاءهم أقلّ من علومهم ومعارفهم التي يمكن أن ينتفع الناس بها. ولهذا أسباب عدة، لعل من أوضحها: أنهم لا يحسنون استثمار الفرص للدعوة والتعليم، وكثير من هؤلاء ينتظر دعوةً إلى تقديم محاضرة أو إلقاء كلمة حتى يبلّغ ما عنده. ولعمرك هذه خسارة كبيرة أن نقصر الدعوة على المحاضرات والخطب، بل يجب على الداعية أن يكون ماهرًا في اقتناص الفرص التي تسنح له، فإن لم يجدها بحث هو عنها، أو سعى في تهيئة أسبابها.
وهذا شأن التاجر الذي يملك بضاعة نافعة؛ فلا يكتفي بانتظار من يأتيه طالبًا لها، بل يسعى إلى عرضها على الناس في مواطن حاجتهم إليها، ويحرص على تعريفهم بها وبيان ما فيها من نفع.
وهذا الأمر -أعني حسن استثمار المواقف والظروف في الدعوة والتعليم- يحتاج إلى قدر من الجرأة والفطنة، كما أنه مهارة تأتي بالدربة والممارسة.
لقد قدم لنا الرسول صلى الله عليه وسلم نماذج في هذا، ففي صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك ﵁: أهدي للنبي ﵌ جُبّةُ سُندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال: (والذي نفسُ محمدٍ بيده، لَمناديلُ سعد بن معاذ في الجنة أحسنُ من هذا)[٢].
وأخرج مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنَّ رسول الله ﵌: (مرّ بالسوق داخلاً من بعض العالية والناس كنَفَتَيْهِ، فمر بجَدْي أسَكَّ ميت، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيبًا فيه لأنه أَسَكّ، فكيف وهو ميت! فقال: فوالله، للدنيا أهون على الله من هذا عليكم)[٣].
فما أحوج الداعية إلى تعلم هذه الأساليب والدربة عليها؛ فيحول المواقف اليومية العابرة إلى فرص تعليمية ودعوية، في المجالس والعمل والسفر وغيرها.
لو نظرنا إلى كثير من الدعاة وطلبة العلم اليوم، لوجدنا أن عطاءهم أقلّ من علومهم ومعارفهم؛ وذلك لأنّهم لا يحسنون استثمار الفرص للدعوة والتعليم
الرسالة الثالثة: زيادة اليقين بالمعاينة
تأملت في الفارق بين قول يوسف عليه السلام في بدايات سجنه: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: ٤٢]، فلما جاءه الرسول من عند الملك بعد سنوات قال: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} [يوسف: ٥٠]!
إن حالة الالتماس عند يوسف في قوله “اذكرني عند ربك” تتوقع معها أن يستجيب سريعًا حين يُطلب للخروج أو لمقدماته، أو لأي إجراء يحرك الماء الراكد لسنوات. وهذا أمر يعرفه كل من ابتلاه الله بالسجن، فهو يفرح بالفرج ومقدماته أو ما يبدو كذلك.
إن التماس يوسف عليه السلام وطلبه الشفاعة عند الملك للنظر في أمره -وهو ما نقرؤه في قوله: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ}- مفهوم، ولا يضيره في شيء، ولا يُنزل من فضيلته؛ فسعي الإنسان لخير نفسه بالطرق المشروعة مطلوب، ويوسف سجن ظلمًا بغير حق، فلا يعيبه أن يبحث عمّن ينصفه ويرفع عنه الظلم الذي وقع عليه.
لكن ما الذي حدا به أن يقف ذلك الموقف العزيز الصلب من دعوة الملك ويقول للرسول: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ}؟ بل ويطالب بالتحقيق مع من كانوا سببًا في سجنه {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}، في موقف هو أقرب إلى التحدي لكائديه؟ إننا نعلم من السجناء الذين طال سجنهم أنهم يبحثون عن الخروج المسالم الهادئ، دون فتح “ملفات” قديمة لا يدرون بم تنتهي، وأقل ما فيها أنها تؤخر خروجهم، فما الذي نقل يوسف عليه السلام من حالة “الالتماس” إلى حالة “طلب التحقيق”؟
لقد كان يوسف يعلم حقًا أن السجن ليس نهاية المطاف، يعلم هذا من الرؤيا التي رآها وقصّها لأبيه، وأوّلَها له أبوه أنها علامة اجتباء واصطفاء {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف: ٦]. ويعلم هذا حين أوحى إليه ربه وهو في الجب {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [يوسف: ١٥]. لكنه بشر، يعتريه ما يعتري البشر حين يقع عليه الظلم أو يشتد به الكرب، فيبدو وكأنه غاب عنه الوعد لوهلة، فحين تتجدد له مؤشرات الوعد الصادق ينتقل إلى يقين المعاينة، وهو فوق يقين الخبر، إذ “ليس الخبر كالمعاينة”[٤]، فيعود صلبًا قويًا وكأن الوعد قد قيل له الآن.
حدث مثل هذا مع أم موسى عليه السلام؛ أوحى إليها ربها {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: ٧]، لكن مع ذلك {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: ١٠]، فلما رأت جزءًا من وعد الله يتحقق {رَادُّوهُ إِلَيْكِ} ثقلت وتجاسرت وكأنها لم يفرغ قلبها قبل أيام!
يبيّن هذا عبد الله بن عباس ﵄ في حديث الفتون فيقول: “وأصبحتْ أمُّ موسى والِهًا، فقالت لأختِهِ: قُصِّي أَثَرَهُ واطلبيهِ، هل تسمعينَ لهُ ذِكْرًا، أحيٌّ ابني أم قد أكلتْهُ الدوابُّ؟ ونَسِيَتْ ما كان اللهُ وعدها فيهِ، فبصرتْ بهِ أختُهُ عن جُنُبٍ وهم لا يشعرونَ، فقالت من الفرحِ حينَ أعياهم الظؤراتُ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ… فأرسلوها فانطلقتْ إلى أمها، فأخبرتها الخبرَ، فجاءت أمه، فلما وضعتْهُ في حجرها نَزَا إلى ثديها فمَصَّهُ، حتى امتلأَ جنباهُ رِيًّا … فلما رأت (امرأة فرعون) ما يصنعُ بها قالت: امْكُثِي تُرْضِعي ابني هذا، فإني لم أُحِبَّ شيئًا حُبَّهُ قطّ. قالت أم موسى: لا أستطيعُ أن أدعَ بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تُعطينِيهِ فأذهبُ بهِ إلى بيتي، فيكونُ معي لا آلوهُ خيرًا فعلتُ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي. وذكرتْ أم موسى ما كان اللهُ وعدها فيه، فتعاسرتْ على امرأةِ فرعونَ، وأيقنَتْ أن اللهَ مُنْجِزٌ وعدَهُ، فرجعتْ بهِ إلى بيتها من يومها، وأنبتَهُ اللهُ نباتًا حسنًا، وحَفِظَهُ لما قد قضى فيه”[٥].
وهذا من رحمة الله ولطفه بعباده، يعدهم الوعد الحسن، ويكون لهذا الوعد أجل لحكمة يعلمها، فيجدد عليهم البشائر ليجدد فيهم اليقين إلى أن يأتي وعده وهم صابرون محتسبون واثقون بوعده الذي لا يتخلف.
فما أحوجنا إلى استحضار وعد الله عند اشتداد الكرب، والتقاط البشائر والتفاؤل بها تجديدًا لليقين.
الرسالة الرابعة: خيرة الله لعبده خير من خيرته لنفسه
ونقف وقفة أخرى بين قول يوسف عليه السلام: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} وبين قول الملك في الطلب الثاني: {ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي}، لقد كان يوسف عليه السلام يرجو أن يكون خروجه من السجن سببًا في نظر الملك في قضيته، وظهور براءته، وإنصافه ممن ظلموه وكادوا له، ولكن الله أراد ليوسف خروجًا أكرم من ذلك: الملك -أعلى سلطة في البلد- يطلبه طلبًا، وليس للإفراج عنه فقط، بل لتقريبه واصطفائه! خرج لا ليكون مجرد سجين نال حريته، بل وزيرًا للملك على خزائن الأرض، فبات بالأمس في سجنه، وهو الليلة في قصره! حقًا، إن الله إذا أعطى أدهش!
وتريد أنت من الكواكب نجمة ** ويريد ربك أن يناولك القمر
حصل مثل هذا مع موسى عليه السلام؛ كان شريدًا طريدًا خائفًا، فلجأ إلى ربه {إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: ٢٤]، فهيّأ الله له مأوى وزوجة وعملاً في يوم واحد.
وتروي أم سلمة ﵂ عن النبي ﵌: (ما مِن مسلمٍ تُصيبُه مُصيبةٌ، فيقول ما أمَرَه اللهُ: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: ١٥٦]، اللهمَّ أْجُرني في مُصيبَتي، وأخلِفْ لي خَيرًا مِنها، إلا أخلَفَ اللهُ له خَيرًا منها)، ثم أخذت تحدث نفسها، قالت: فلما ماتَ أبو سَلَمةَ قُلتُ: أيُّ المسلمينَ خَيرٌ مِن أبي سَلَمةَ؟ أولُ بَيتٍ هاجَرَ إلى رسولِ اللهِ ﵌، ثُمَّ إنِّي قُلتُها، فأخلَفَ اللهُ لي رسولَ اللهِ ﵌[٦].
إن الله واسع العطاء، وهو سبحانه –كما وصفه يوسف عليه السلام– لطيف لما يشاء، إذا أراد بعبد خيرًا يأتيه به من حيث لا يحتسب وفوق ما يخطر في خياله. فلنحسن الظن بالله، ونثق باختياره وقدره، فإن خيرة الله لعباده خير من خيرتهم لأنفسهم، وكم من مطلوب فوّته الله ليعطي خيرًا منه.
وفي الأقدار للإنسان خير ** وإن جاءت على غير المراد
ومن يؤمن بأن الله عدل ** رحيم عاش مرتاح الفؤاد
الرسالة الخامسة: والله غالب على أمره
لقد أرى الله نبيه يوسف رؤيا، تعبيرها أنه سيُجتبى ويُصطفى، ويسجد له أبواه وإخوته، وقد كان، ولكن بعد رحلة طويلة من الابتلاء والأقدار العجيبة.
ولقد أراد الله أن يحقق وعده لبني إسرائيل {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: ٥]، وقد كان، ولكن بعد أن فتن موسى فتونًا.
ولقد نصر الله عبده محمدًا وصدَقه وعده بظهور دينه، لكن بعد حوادث زاغت فيها الأبصار وبلغت القلوب الحناجر.
وفي كل وعد من هذه الوعود، كان هناك مَن يحارب هذا الوعد، ويعمل ضده {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: ٨].
إن الله قادر حين يشاء أمرًا أن يقول له كن فيكون، ولكن سنته اقتضت أن يكون هناك ابتلاء وتمحيص وإعداد قبل تحقيق الوعد، وأن يكون هناك مَن يعاند هذا الوعد ويعمل لإفشاله، ثم ينفذ الله وعده لأوليائه ويقهر أعداءه، فتظهر آثار اسمه القادر والقاهر والجبار.
ومن هنا قال الله عن أمره القدري: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} [يوسف: ٢١]. فالتعبير بالغلبة، وتعدية الفعل بحرف الجر {عَلَى} تشعر بالقوة والاستعلاء وقهر خصوم الوعد وإذلالهم، وهذا معنىً فوق مجرد تحقيق الوعد. فالله يحقق وعده لأوليائه على وجه يقهر به أعداءه، وهذا من كمال قوته ومن تمام نعمته على أوليائه.
فكم في قصص الأنبياء من عبر، وكم فيها من تثبيت {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: ١٢٠].
وصدق الله {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: ١١١].
إن الله قادر حين يشاء أمرًا أن يقول له كن فيكون، ولكن سنته اقتضت أن يكون هناك ابتلاء وتمحيص وإعداد قبل تحقيق الوعد، وأن يكون هناك من يعاند هذا الوعد ويعمل لإفشاله، ثمّ ينفذ الله وعده لأوليائه ويقهر أعداءه، فتظهر آثار اسمه القادر والقاهر والجبار
[١] تفسير القرطبي (٩/١٩١).
[٢] أخرجه البخاري (٢٦١٥).
[٣] أخرجه مسلم (٢٩٥٧)، ومعنى (كنَفَتَيْهِ): أي الجانبين، أي أحاطوا به من جانبيه، و(الأسَكُّ): الذي ليس له أُذُنانِ.
[٤] نص حديث أخرجه الإمام أحمد (١٨٤٢).
[٥] تفسير ابن كثير (٩/٣٢٨-٣٢٩).
[٦] أخرجه مسلم (٩١٨).



